عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
80
اللباب في علوم الكتاب
وخامسها : أنه لو كان المراد من قوله : « إنهم أحياء » أنهم سيحيون ، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة . قال القرطبي : والشهداء أحياء كما قال اللّه تعالى ، وليس معناه أنهم سيحيون ، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سيحيا . ويدل على هذا « 1 » قوله تبارك وتعالى : « وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ » والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون . وأجاب عنه أبو مسلم بأنه - تعالى - إنما خصهم بالذكر ؛ لأن درجتهم في الجنة أرفع ، ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [ النساء : 69 ] فأرادهم بالذكر تعظيما . قال ابن الخطيب « 2 » : هذا الجواب ضعيف ؛ لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن اللّه - تعالى - ما خصهم بالذكر . وفي هذا الجواب نظر ؛ لأن الآية الكريمة ليست في النبيين والصديقين ، إنما هي في الشهداء . واحتج أبو مسلم بأنه - تعالى - ذكر هذه الآية في « آل عمران » فقال : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] وهذه العندية ليست بالمكان ، بل بالكون في الجنة ، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد « 3 » القيامة . وقال ابن الخطيب « 4 » : لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة ، بل بإعلاء الدرجات ، وإيصال البشارات إليه ، وهو في القبر ، أو في موضع آخر . وقال بعضهم : ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب ، والكلام في هذه المسألة مذكور في غير هذا المكان . [ قال الحسن : إن الشهداء هم أحياء عند اللّه - تعالى - تعرض أرزاقهم على أرواحهم ، فيصل إليهم الروح والفرج ، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشية ، فيصل إليهم الوجع ] « 5 » . قوله تعالى : « أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ » خبر مبتدأ محذوف أي : لا تقولوا : هم أموات ، وكذلك « أحياء » خبر مبتدأ محذوف أي : بل هم أحياء .
--> - وذكره المنذري في « الترغيب والترهيب » ( 4 / 238 ) وانظر إتحاف السادة المتقين ( 6 / 301 ) و ( 10 / 380 ) . ( 1 ) في أ : على هذا . ( 2 ) ينظر الفخر الرازي : 4 / 133 . ( 3 ) في ب : بعد . ( 4 ) ينظر الفخر الرازي : 4 / 133 . ( 5 ) سقط في ب .